الراغب الأصفهاني
262
الذريعة إلى مكارم الشريعة
معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئا من الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبا طاهرا لا تعافه الحكمة فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب » « 1 » وإن لكل تربة غرسا ولكل بناء أسا وما كل رأس تستحق التيجان ولا كل طبيعة تستحق إفادة البيان . وإن كان لا بد فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه فقد قيل كما أن لب الثمار معد للأنام فالتبن مباح للأنعام كذلك لب الحكمة معد لذوي الألباب وقشورها مبذولة للأنعام ، وكما أنه من المحال أن يشم الأخشم ريحانا فمحال أن يفيد الحمار بيانا ، واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها ، ولهذا يتحرى الجدل الخصيم أبدا بالدفاع لا المعارضة بمثلها وذلك أن الإفساد هدم وهو سهل والإتيان بمثله بناء وهو صعب ، فإن الإنسان كما يمكنه قتل النفس الزكية وذبح الحيوانات وإحراق النبات ولا يقدر على إيجاد شيء منها يمكنه إفساد حجة قوية بضرب من الشبه المزخرفة ولا يمكنه الإتيان بمثلها ولأجل ما قلنا دعا اللّه سبحانه وتعالى الناس في الحجج إلى الإتيان بمثلها لا إلى السعي في إفسادها « 2 » فقال تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ « 3 » وقال : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ « 4 » فرضي أن يأتوا بما فيه مشابهة له وإن كان ذلك مفترى وقال إبراهيم عليه السّلام : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ « 5 » واللّه الموفق .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) « لا إلى السعي في إفسادها » سقطت من ط . ( 3 ) البقرة / 23 . ( 4 ) هود / 13 . ( 5 ) البقرة / 258 .